محمد بن جرير الطبري
397
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لا بد لهن من صداق ، وأنت رجل جريء شجاع ، فأحتمل صداقها ثلاثمائة غلفة من أعدائنا وكان يرجو بذلك أن يقتل داود . فغزا داود وأسر منهم ثلاثمائة ، وقطع غلفهم وجاء بها ، فلم يجد طالوت بدا من أن يزوجه . ثم أدركته الندامة ، فأراد قتل داود حتى هرب منه إلى الجبل ، فنهض إليه طالوت فحاصره . فلما كان ذات ليلة سلط النوم على طالوت وحرسه ، فهبط إليهم داود ، فأخذ إبريق طالوت الذي كان يشرب منه ويتوضأ ، وقطع شعرات من لحيته وشيئا من هدب ثيابه ، ثم رجع داود إلى مكانه ، فناده أن حرسك ، فإني لو شئت أقتلك البارحة فعلت ، فإنه هذا إبريقك وشيء من شعر لحيتك وهدب ثيابك ، وبعث إليه . فعلم طالوت أنه لو شاء قتله ، فعطفه ذلك عليه فأمنه ، وعاهده بالله لا يرى منه بأسا . ثم انصرف . ثم كان في آخر أمر طالوت أنه كان يدس لقتله ، وكان طالوت لا يقاتل عدوا إلا هزم ، حتى مات . قال بكار : وسئل وهب وأنا أسمع : أنبيا كان طالوت يوحى إليه ؟ فقال : لم يأته وحي ، ولكن كان معه نبي يقال له أشمويل ، يوحى إليه ، وهو الذي ملك طالوت . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : كان داود النبي وإخوة له أربعة ، معهم أبوهم شيخ كبير ، فتخلف أبوهم وتخلف معه داود من بين إخوته في غنم أبيه يرعاها له ، وكان من أصغرهم وخرج إخوته الأَربعة مع طالوت ، فدعاه أبوه وقد تقارب الناس ودنا بعضهم من بعض . قال ابن إسحاق : وكان داود فيما ذكر لي بعض أهل العلم عن وهب بن منبه رجلا قصيرا أزرق قليل شعر الرأس ، وكان طاهر القلب نقيه ، فقال له أبوه : يا بني إنا قد صنعنا لإِخوتك زادا يتقوون به على عدوهم ، فأخرج به إليهم ، فإذا دفعته إليهم فأقبل إلي سريعا فقال : أفعل . فخرج وأخذ معه ما حمل لإِخوته ، ومعه مخلاته التي يحمل فيها الحجارة ومقلاعه الذي كان يرمي به عن غنمه . حتى إذا فصل من عند أبيه ، فمر بحجر ، فقال : يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت ، فإني حجر يعقوب فأخذه فجعله في مخلاته ، ومشى . فبينا هو يمشي إذ مر بحجر آخر ، فقال : يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت ، فإني حجر إسحاق فأخذه فجعله في مخلاته ، ثم مضى . فبينا هو يمشي إذ مر بحجر ، فقال : يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت ، فإني حجر إبراهيم فأخذه فجعله في مخلاته . ثم مضى بما معه حتى انتهى إلى القوم ، فأعطى إخوته ما بعث إليهم معه . وسمع في العسكر خوض الناس بذكر جالوت ، وعظم شأنه فيهم ، وبهيبة الناس إياه ، ومما يعظمون من أمره ، فقال لهم : والله إنكم لتعظمون من أمر هذا العدو شيئا ما أدري ما هو ، والله إني لو أراه لقتلته ، فأدخلوني على الملك فأدخل على الملك طالوت ، فقال : أيها الملك إني أراكم تعظمون شأن هذا العدو ، والله إني لو أراه لقتلته فقال : يا بني ما عندك من القوة على ذلك ؟ ومما جربت من نفسك ؟ قال : قد كان الأَسد يعدو على الشاة من غنمي ، فأدركه فآخذ برأسه ، فأفك لحييه عنها ، فآخذها من فيه ، فادع لي بدرع حتى ألقيها علي فأتي بدرع ، فقذفها في عنقه ومثل فيها فملأ عين طالوت ونفسه ومن حضر من بني